ابراهيم بن عمر البقاعي

7

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

عنه : أين اللّه ؟ فيقول : في السماء ، إلى حد علو أن يقول : فوق العرش ، فذلك الصمد الذي أنبأ عنه اسمه إِلهَ الذي أنزل فيه إلزام الإخلاص والتوحيد منذ عبدت في الأرض الأصنام ، فلذلك نظم توحيد اسمه الإله بأحدية مسمى هو من اسمه العظيم « اللّه » ، ورجع عليه باسم المضمر الذي هو في جبلات الأنفس وغرائز القلوب الذي تجده غيبا في بواطنها فتقول فيه : هو ، فكان هذا الخطاب مبدوءا بالاسم العظيم المظهر منتهيا إلى الاسم المضمر ، كما كان خطاب قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [ الإخلاص : 1 ] مبدوءا بالاسم المضمر منتهيا إلى الاسم العظيم المظهر ، وكذلك أيضا اسم اللّه الأعظم في سورة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [ الإخلاص : 1 ] كما هو في هذه الفاتحة . ولما كان لبادي الخلق افتقار إلى قوام لا يثبت طرفة عين دون قوامه كان القوام البادي آيته هي الحياة فما حيي ثبت وما مات فني وهلك ؛ انتهى - ولما كان المتفرد بالملك من أهل الدنيا يموت قال : الْحَيُّ أي الحياة الحقيقية التي لا موت معها . ولما كان الحي قد يحتاج في التدبير إلى وزير لعجزه عن الكفاية بنفسه في جميع الأعمال قال : الْقَيُّومُ * إعلاما بأن به قيام كل شيء وهو قائم على كل شيء . قال الحرالي : فكما أن الحياة بنفخة من روح أمره فكل متماسك على صورته حي بقيوميته - انتهى . وفي وصفه بذلك إعلام بأنه قادر على نصر جنده وإعزاز دينه وعون وليه ، وحث على مراقبته بجهاد أعدائه ودوام الخضوع لديه والضراعة إليه . ولما كان من معنى القيوم أنه المدبر للمصالح اتصل به الإعلام بتنزيل ما يتضمن ذلك ، وهو الكتاب المذكور في قوله : بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ [ البقرة : 285 ] والكتب المذكورة في أول البقرة في قوله : بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ [ البقرة : 4 ] وفي آخرها بقوله وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ [ البقرة : 285 ] التي من جملتها التوراة والإنجيل اللذان فيهما الآصار المرفوعة عنا ، ثم شرح بعده أمر التصوير في الأحشاء ، وذلك لأن المصالح قسمان : روحانية وجسمانية ، وأشرف المصالح الروحانية العلم الذي هو للروح كالروح للبدن فإنها تصير به مرآة مجلوة ينجلي فيها صور الحقائق ، وأشرف المصالح الجسمانية تعديل المزاج وتسوية البنية في أحسن هيئة ، وقدم الروحانية المتكفل بها الكتاب لأنها أشرف . ولما كانت مادة « كتب » دائرة على معنى الجمع عبر بالتنزيل الذي معناه التفريق لتشتمل هذه الجملة على وجازتها من أمره على إجمال وتفصيل فقال : - وقال الحرالي : ولما كانت إحاطة الكتاب أي في البقرة ابتداء وأعقبها أي في أول هذه السورة إحاطة الإلهية جاء هذا الخطاب ردا عليه ، فتنزل من الإحاطة الإلهية إلى الإحاطة الكتابية بالتنزيل الذي هو تدريج من رتبة إلى رتبة دونها ؛ انتهى - فقال : نَزَّلَ أي شيئا فشيئا